فخر الدين الرازي
307
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم اللَّه تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال ، فقال : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال النحويون : ( ما ) في هذا الموضع تحتمل وجهين : الأول : أن تكون نفيا بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم اللَّه عليه بأنه لا يؤمن ، كقولك : ما يغني عنك المال إذا لم تنفق . والثاني : أن تكون استفهاما كقولك : أي شيء يغني عنهم ، وهو استفهام بمعنى الإنكار . المسألة الثانية : الآيات هي الدلائل ، والنذر الرسل المنذرون أو الإنذارات . المسألة الثالثة : قرئ وَما يُغْنِي بالياء من تحت . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 102 إلى 103 ] فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ( 103 ) واعلم أن المعنى هل ينتظرون إلا أياما مثل أيام الأمم الماضية ، والمراد أن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام مشتملة على أنواع العذاب ، وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل السخرية ، وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كانوا يفعلون . ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم : فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثم إنه تعالى قال : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي في رواية نصير ننجي خفيفة ، وقرأ الباقون : مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله : نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ . المسألة الثانية : ( ثم ) حرف عطف ، وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن نهلكهم سريعا ثم ننجي رسلنا . المسألة الثالثة : لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل فقال : العذاب لا ينزل إلا على الكفار وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة . ثم قال : كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : أي مثل ذلك الإنجاء ننصر المؤمنين ونهلك المشركين وحقا علينا اعتراض ، يعني حق ذلك علينا حقا . المسألة الثانية : قال القاضي قوله : حَقًّا عَلَيْنا المراد به الوجوب ، لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب إلى الثواب واجب ولولاه لما حسن من اللَّه تعالى أن يلزمهم الأفعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى قضاء الدين للسبب المتقدم . والجواب : أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم ، ولا نقول إنه حق بسبب الاستحقاق ، لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا .